الشيخ السبحاني

456

بحوث في الملل والنحل

به ، إذ لم يرد في كلامهم لا المنظوم ولا المنثور » . أقول : إنّ العرب في هذا المجال تقول : « أحسست ببصري حرارة الميل » على أنّ الباء إنّما تدخل على الآلة كقولهم : « مشيت برجلي وكتبت بقلمي » والبصر ليس بآلة في إدراك الحرارة ، بل يستوي فيه البصر والسمع ، فلو أُطلق البصر فلا يراد منه إلّا العضو الحاسّ لا العضو الّذي يرى به . ثمّ إنّ القاضي أفاض الكلام في دلالة الآية وردّ ما أُثير حولها من الشبهات بوجه ممتاز ، فمن أراد فليرجع إليه . « 1 » ومن لطيف ما أفاده في المقام ، هو الإجابة عن احتجاج المثبتين بما رووه عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال : « إنّكم سترون ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر » « 2 » . فأجاب عن الاستدلال بوجوه : الأوّل : إنّ الأخذ بظاهر الخبر يستلزم أن نرى اللَّه سبحانه مثلما نرى القمر ، فإنّا لا نرى القمر إلّا مدوّراً عالياً منوّراً ، واللَّه سبحانه أعلى من هذه الصفات . يلاحظ عليه : أنّ وجه الشبه هو الرؤية الحسيّة اليقينيّة . فكما أنّ الإنسان لا يشكّ - بعد ما رأى القمر - أنّه رآه ، فهكذا فيه سبحانه لاتمام الخصوصيات .

--> ( 1 ) . شرح الأُصول الخمسة : 248 - 253 . ( 2 ) . صحيح البخاري ، كتاب المواقيت ، الباب 16 ، الحديث 26 ج 1 ص 111 ، وباب الاذان وغيره .